السيد عبد الأعلى السبزواري

239

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

قوله تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ . أي اذكر لبني إسرائيل ما فاله موسى لهم . والظلم الحاصل من عبادة العجل عظيم بتمام معنى العظمة ، لأنه شرك وقد وقع بعد الآيات الكثيرة الواقعة من اللّه تعالى ، فكأنهم سقطوا من السماء إلى الأرض بظلمهم هذا ، ومن درجات المقربين إلى أسفل السافلين . ولذلك كان ظلما عظيما على أنفسهم بعد تمامية الحجة عليهم حيث صاروا كفارا جاحدين ، وحكمهم شديد في شريعة التوراة والقرآن ، فقول موسى ( عليه السلام ) : « إنكم ظلمتم » إخبار لهم عن كفرهم وجحودهم وهم اعترفوا بذلك ولم يحك القرآن الاعتراض منهم على موسى ( عليه السلام ) في ذلك ، مع بنائهم على الاعتراض واللجاج . والقوم اسم جمع لا واحد له من لفظه وواحده [ امرؤ ] والمعروف بين أهل اللغة اختصاصه بالرجال ، دون النساء ، قال تعالى : لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ [ سورة الحجرات ، الآية : 11 ] ، وقال زهير : وما أدري وسوف إخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء وقد يراد من القوم النساء أيضا ، لقرينة تدل عليه قال تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ [ سورة الأعراف ، الآية : 59 ] ، وقال تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ [ سورة الأنعام ، الآية : 83 ] ومعلوم أن الرسالة تعم الرجال والنساء . وهو في المقام منادى مضاف حذف منه الياء وأصله يا قومي . وخطاب موسى لقومه إنما كان بأمر منه تعالى ، وإنما فعل ذلك إجلالا لشأن موسى ( عليه السلام ) ، وأن خطابه كخطاب اللّه تعالى معهم ، ولا بد وان يكون كذلك ، لأن كلام النبي ( عليه السلام ) في جهات التشريع وتربية أمته نفس كلام المنبأ عنه وإلّا لغي التشريع المبني على النبوءة الإلهية ، فقد ورد في حق نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى » [ سورة النجم ، الآية : 4 ] وهذا الحكم يجري في جميع أنبياء اللّه